
رمزية الانشقاق وفهم الداخل .. انشقاق النور القبة واحتمالات التحول الجمعي
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
يُعدّ مفهوم “الانشقاق” من المفاهيم المركبة التي تتجاوز معناها السياسي الظاهري إلى أبعاد فلسفية ونفسية عميقة، إذ لا يقتصر على كونه انتقالًا من معسكر إلى آخر، بل يمثل لحظة وعي حادة، يتصدع فيها النسق الداخلي للفرد أو الجماعة، ويُعاد فيها ترتيب العلاقة بين الذات والسلطة، بين القناعة والواقع، وبين الانتماء والضمير. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة انشقاق بعض القيادات من قوى الدعم السريع، وعلى رأسهم النور القبة، بوصفه حدثًا رمزيًا يعكس تحولات في البنية الداخلية لهذه القوة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة الولاء، وحدود الطاعة، وإمكانات العودة إلى “المركز الوطني”.
أولًا: الانشقاق كفعل وعي لا كحدث سياسي فقط
في الفلسفة السياسية، يُنظر إلى الانشقاق بوصفه فعلًا نابعًا من إدراك تناقض داخلي بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. فحين يكتشف الفرد أن منظومته القيمية لم تعد تتسق مع ممارسات الجماعة التي ينتمي إليها، يبدأ ما يمكن تسميته بـ”التفكك المعنوي”، وهو مرحلة تسبق الانفصال الفعلي. ومن هنا، فإن انشقاق النور القبة لا يمكن اختزاله في كونه مناورة تكتيكية أو استجابة لضغوط ظرفية، بل يمكن فهمه كنتاج لتراكمات داخلية، ربما تشمل صراعًا بين الانتماء التنظيمي والانتماء الوطني، أو بين المصلحة الشخصية والواجب الأخلاقي.
هذا الفعل، في رمزيته، يشبه ما يسميه الفيلسوف هيغل بـ”لحظة النفي”، حيث تنفي الذات وضعها السابق لتؤسس لمرحلة جديدة من الوعي. فالانشقاق هنا ليس مجرد خروج، بل هو إعادة تعريف للذات في ضوء معايير جديدة، قد تكون أكثر ارتباطًا بفكرة الدولة أو المجتمع أو القيم العليا.
ثانيًا: فهم الداخل كشرط للتحول
إن أهمية الانشقاقات لا تكمن فقط في عددها أو توقيتها، بل في دلالتها على ما يجري داخل البنية التنظيمية. فالانشقاق، في كثير من الأحيان، هو “نافذة” تكشف ما لا يُقال، وتُظهر ما كان مستترًا من صراعات وتباينات. ومن هذا المنظور، فإن انشقاق شخصية مثل النور القبة يمكن أن يُقرأ كإشارة إلى وجود حالة من التململ أو إعادة التفكير داخل صفوف الدعم السريع.
فهم الداخل هنا لا يعني فقط تحليل الخطاب أو تتبع التحركات، بل يتطلب قراءة نفسية-اجتماعية للفاعلين: ما الذي يدفعهم للبقاء؟ وما الذي يجعلهم يفكرون في المغادرة؟ هل هو الخوف، أم القناعة، أم غياب البدائل؟ هذه الأسئلة تفتح المجال لفهم أعمق للانشقاق كعملية ديناميكية، لا كحدث معزول.
ثالثًا: رمزية العودة إلى “الوطن”
في الخطاب المرتبط بالانشقاقات، كثيرًا ما تُستخدم مفردات مثل “العودة إلى الوطن” أو “الالتحاق بركب الدولة”. وهذه المفردات تحمل في طياتها دلالات رمزية قوية، إذ تُصور الانتماء السابق بوصفه “خروجًا” عن الأصل، والانشقاق بوصفه “عودة” إلى المسار الصحيح. هذه الثنائية (الخروج/العودة) تعكس تصورًا معياريًا للشرعية، حيث يُمنح “الوطن” موقع المرجعية الأخلاقية العليا.
غير أن هذا التصور يطرح إشكالية فلسفية: هل الوطن كيان ثابت يمكن العودة إليه، أم هو مفهوم متغير يُعاد تعريفه وفق السياقات السياسية؟ وهل كل انشقاق يُعدّ بالضرورة عودة، أم أنه قد يكون انتقالًا من موقع إلى آخر دون تغيير جوهري في القناعات؟ هذه الأسئلة تفرض علينا الحذر من التبسيط، وتدعونا إلى التمييز بين الانشقاق كتحول حقيقي، والانشقاق كإعادة تموضع.
رابعًا: العدوى الرمزية والانشقاق الجماعي المحتمل
من الخصائص اللافتة للانشقاقات أنها قد تحمل طابعًا “عدوائيًا” بالمعنى الرمزي، أي أنها تخلق سابقة يمكن أن تُحتذى. فعندما يرى أفراد داخل جماعة ما أن أحد قادتهم قد انشق دون أن يتعرض لعواقب كارثية، أو أنه حظي بقبول في الطرف الآخر، فإن ذلك قد يشجعهم على التفكير في اتخاذ خطوة مماثلة. وهنا يتحول الانشقاق من فعل فردي إلى احتمال جماعي.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى انشقاق النور القبة بوصفه “كسرًا لحاجز الخوف”، أو “إعادة تعريف الممكن”. فالفرد الذي كان يرى الانشقاق خيارًا مستحيلًا، قد يبدأ في إعادة تقييم موقفه. وهذا ما يمكن تسميته بـ”ديناميكية التحول”، حيث تتغير موازين القوى ليس فقط بفعل السلاح أو السياسة، بل بفعل التحولات النفسية والمعنوية داخل الأفراد.
خامسًا: بين البراغماتية والأخلاق: دوافع الانشقاق
لا يمكن إغفال البعد البراغماتي في تحليل الانشقاقات، إذ قد تكون مدفوعة بحسابات تتعلق بالبقاء، أو بتغير موازين القوى، أو بالرغبة في التموضع في معسكر يُعتقد أنه سيكون الغالب. غير أن اختزال الانشقاق في هذا البعد فقط يُفقده عمقه الإنساني. فحتى في أكثر السياقات تعقيدًا، يبقى للضمير دور، وللشعور بالذنب أو المسؤولية أثر.
الفلسفة الأخلاقية، خاصة عند كانط، تؤكد أن الفعل الأخلاقي هو ما يصدر عن واجب، لا عن مصلحة. ومن هذا المنظور، فإن تقييم الانشقاق يتطلب النظر إلى نية الفاعل: هل هو يسعى لتصحيح مسار، أم لتأمين موقع؟ هل هو يعترف بخطأ سابق، أم يتجاهله؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بسهولة، لكنها ضرورية لفهم البعد الأخلاقي للانشقاق.
سادسًا: الانشقاق كإعادة تشكيل للهوية
الانتماء إلى جماعة مسلحة أو تنظيم سياسي لا يقتصر على البعد التنظيمي، بل يشكل جزءًا من هوية الفرد. وعليه، فإن الانشقاق يمثل “تفكيكًا” لهذه الهوية، وإعادة بنائها في سياق جديد. هذه العملية قد تكون مؤلمة، إذ تتطلب مراجعة الذات، وربما الاعتراف بأخطاء، أو التخلي عن سرديات سابقة.
في هذا الإطار، يمكن فهم الانشقاق بوصفه “ولادة جديدة”، لكنها ولادة محفوفة بالمخاطر، حيث يواجه المنشق تحديات تتعلق بالثقة، والاندماج، والقبول. فالمجتمع قد ينظر إليه بعين الشك، والتنظيم السابق قد يعتبره خائنًا، مما يضعه في موقع “بين بين”، يحتاج فيه إلى إعادة إثبات ذاته.
سابعًا: آفاق المستقبل: هل نحن أمام موجة تحول؟
يبقى السؤال الأهم: هل يمثل انشقاق النور القبة بداية لموجة أوسع من التحولات داخل الدعم السريع، أم أنه سيظل حالة فردية؟ الإجابة على هذا السؤال تعتمد على عدة عوامل، منها: طبيعة القيادة داخل التنظيم، درجة التماسك الداخلي، مستوى الضغوط الخارجية، ومدى توفر بدائل واقعية للمنشقين.
إذا توفرت بيئة سياسية وأمنية تستوعب المنشقين، وتمنحهم فرصة للاندماج دون إقصاء، فإن ذلك قد يشجع آخرين على اتخاذ خطوات مماثلة. أما إذا ظل الانشقاق محفوفًا بالمخاطر، أو إذا لم يُترجم إلى مكاسب ملموسة، فقد يتردد الكثيرون في خوض التجربة.
خاتمة
إن رمزية الانشقاق، في سياق قوى الدعم السريع، تتجاوز حدود الحدث السياسي لتلامس جوهر الإنسان في علاقته بالسلطة والضمير والوطن. وانشقاق النور القبة، في هذا الإطار، يمكن قراءته كلحظة كشف، تُظهر ما يدور في الداخل، وتفتح الباب أمام احتمالات متعددة، تتراوح بين التحول الحقيقي وإعادة التموضع.
وفي النهاية، يظل الانشقاق فعلًا إنسانيًا معقدًا، لا يمكن الحكم عليه بمعايير أحادية، بل يتطلب قراءة متعددة الأبعاد، تأخذ في الاعتبار السياق، والدوافع، والنتائج. وبين من يرى فيه خيانة، ومن يراه شجاعة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل هو بداية طريق نحو إعادة بناء الذات الوطنية، أم مجرد فصل في صراع لم تتضح نهاياته بعد؟



